لإدراج ملاحظاتكم و اقتراحاتكم : kalima.tunisie@gmail.com
المتوسط – نشرية إلكترونية صادرة بلندن
www.mutawassit.com
ميدالية أخرى على صدر تونس
23/04/2009 ميدالية أخرى على صدر تونس
حين نعلم أن دولا نفطية، يعاني معظم عمالها من تآكل أجورهم تحت وطأة انعدام حد أدنى لها، نكتشف يقينا مدى هشاشة هذه الاقتصاديات اذا ما قورنت ببعض التجارب الاقتصادية الصاعدة التي ما فتئت تفاجئنا بأرقام وتصنيفات دولية تؤكد نجاح خياراتها التنموية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وحين نعلم أيضا أن "المكتب الدولي للعمل" في آخر تقاريره صنف تونس في المرتبة الأولى عربيا وافريقيا في مستوى الأجور الدنيا المسجلة سنة 2007، نتأكد أن هذا البلد بدأ يجني ثمار سياساته التنموية التي خطط لها على مدى 21 عاما بكثير من المرونة والفاعلية.
فالإحصاءات التقرير الصادر عن الدورة 304 لمجلس إدارة المكتب الدولي للعمل المنعقدة بجنيف من 5 الى 27 مارس 2009 أشارت وبوضوح إلى ان الأجر الأدنى في تونس بلغ قياسا الى مستوى القدرة الشرائية حوالي 400 دولار مقابل معدل يتراوح بين 100 و120 دولارا بكل من إفريقيا واسيا ومعدل عالمي مقدر بـ220 دولارا "الدولار يساوى 396. 1 دينار".
الأهم في هذا كله، أن التصنيف الجديد عزز رصيد الثقة الدولي الذي تحظى به تونس ووسّم صدرها بميدالية أخرى من الوزن الثقيل على اعتبار أن هذا المؤشر يبرز بكل موضوعية مدى شفافية وفاعلية الاصلاحات السياسية والاقتصادية في تونس التي توجت بتصنيفات سابقة ذات مؤشرات دولية ايجابية - ان لم نقل مذهلة مقارنة بمحيطها العربي والافريقي- على غرار مؤشر الاستقرار السياسي ومؤشر جودة الحياة.
والأكيد أن هذا الاستحقاق لم يأت من فراغ، فتونس راهنت على رسوخ البعد الاجتماعي كخيار جوهري في سياستها التنموية التي ترتكز أساسا على الارتقاء بمستوى العيش وضمان تساوي الحظوظ بين كافة فئات المجتمع وترسيخ قيم التضامن وتعزيز أسباب الكرامة لسائر التونسيين.
ورغم سمات الانفتاح في اقتصادها، الا أن تونس لم تتخل عن دورها، كما فعلت دول أخرى، وحاولت جاهدة التركيز على تطوير الجانب الاجتماعي من خلال توفير الكثير من الخدمات المجانية وشبه المجانية للمواطنين، في مجالات التعليم والصحة مع تسهيلات في الحصول على المساكن والسيارات.
يقول اقتصاديون أن التجربة التونسية مثلت "قصة نجاح" داخل منظومات إقتصادية متعددة سلاحها الاول الفعل التنموي الذي ينبني على التلازم المتين بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي ليكشف عن مزيج فريد يجمع بين عناصر شتى تشمل التحرر التدريجي والتوازن الاقتصادي الكلي والرقي الاجتماعي والتخطيط التوجيهي وخيار الاندماج في الفضاء الاوروبي المتوسطي.
وقد تتساءل دول، أغدقت مليارات على استراتيجياتها دون نتائج تذكر، عن سر النجاح التونسي في حصد علامات كاملة على أكثر من صعيد وفي اكثر من اتجاه رغم ضغوط الظرف العالمي على اقتصادها لكن الاجابة في نظر الخبراء تبدو بسيطة وسهلة وتكمن في جوهر العقلية التونسية وعلى رأسها الرئيس زين العابدين بن علي، هذه العقلية التي راهنت على البعد الاجتماعي، ولم تهمله، كركيزة اساسية وملزمة لنجاح اي سياسة تنموية.
ورغم تكلفة هذه الخيارات، تم الترفيع في النفقات ذات الصبغة الاجتماعية إلى 59 بالمائة من اعتمادات الميزانية العامة للدولة إلى جانب رصد اعتمادات جملية قيمتها 1650 مليون دينار للدعم منها 800 م. د لدعم المواد الأساسية و650 م. د لدعم المحروقات و200 م . د لدعم النقل.
غير أن نتائج المفاوضات الاجتماعية المشتركة المستمرة على مراحل منذ عدة سنوات برهنت حقائق أخرى نادرا ما تقع في بلدان العالم النامي مفادها تجذر ثقافة الحوار والوفاق الاجتماعي بين مختلف الأطراف الفاعلة لاسيما في ظل الظرف الاقتصادي العالمي الصعب والتحديات التي يفرضها على الاقتصاد التونسي.
وقد أفضت سياسة الزيادات في الأجور منذ سنة 1988 إلى تطور الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بنسبة 140 بالمائة وارتفع معدل الدخل الفردي منذ التغيير ليقارب في سنة 2008 مستوى 5.000 دينار وهو ما يؤكد العناية الرئاسية بترفيع الأجور وتطوير ظروف العمل والارتقاء بالحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج.
ويرى مراقبون أن انتظام الزيادات في الأجور وتواصلها دون انقطاع كل عام منذ 1988 تعزيز وتكريس لمكسب اجتماعي كبير تنفرد به تونس اليوم بين الأمم في إطار رؤية تؤمن بأنه لا معنى للتنمية دون العدل في توزيع ثمارها بين فئات المجتمع كافة.
غير أن تلازمية التنمية والديمقراطية، خلقت أرضية اجتماعية قوية، منحت تونس قدرة على امتصاص تداعيات ثلاث أزمات كبرى عاشها العالم في الفترة الاخيرة أخطرها الأزمة المالية التي لا تزال تعبث بالعديد من الاقتصاديات.