لإدراج ملاحظاتكم و اقتراحاتكم : kalima.tunisie@gmail.com
تونس ونموذج التنمية
موقــع : عرب أونلاين
15-09-2008
تونس ونموذج التنمية
بقلـم : إزراج عمر
ازراج عمر: غبت عن تونس لمدة ثلاث سنوات ونيف، وعندما عدت خلال هذا الأسبوع لأزورها مجددا وجدتها تواصل مسيرتها التنمويـــة بخطوات واثقة وحس حداثي. إن أول انطباع يرتسم فى الأفق هو أن التنمية فى تونس مرتبطة عضويا بالأمن الذى يتمتع به المجتمع التونسي.
ويمثل هذا ضمانة حقيقية للبناء، وإنجاز المخططات على جميع الأصعدة الاقتصادية، والثقافية، والتربوية، والمعمارية، والاجتماعية.
وفى الواقع، فإن المجتمع التونسى يتميز بكونه يملك هويته الوطنية التى تصون تماسكه، وتحول دون الانحراف كما يحصل لكثير من الدول العربية فى الوقت الراهن.
إن هذه الهوية المرتبة والمؤسسة تأسيسا تاريخيا تبدو ملامحها فى الحياة التونسية اليومية على نحو هارموني.
وهنا أريد أن أتناول ظاهرة تونسية أعتقد أنها متميزة ومثيرة للإعجاب. أعتبر باستمرار أن البيئة المعمارية مفصل رئيسى لأى تحديث حقيقى يساعد على البناء الحضارى للإنسان.
فقد شهدت تونس نهضة عمرانية ملفتة للنظر وأرى بحق وبصدق أن القيادة التونسية قد حققت فى هذا المجال قفزات نوعية قل أن نجد لها مثيلا فى المنطقة المغاربية، بل على امتداد العالم العربي- الإسلامي.
وأنا فى تونس رأيت بعينى هذا التحديث المعمارى فى منطقة البحيرة، وعلى امتداد الحزام الجغرافى الذى يحيط بمركز العاصمة القديم.
إن نوعية الأبنية التى أنجزتها، وتنجزها تونس تقف فى صف الأبنية المعمارية المتطورة فى أوروبا- الغرب.
إننى أقول بأن الكفاءات التونسية فى مجال المعمار قد أنجزت فعلا حدثا عمرانيا ممتازا ومتصفا بالحداثة، والحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع التونسي.
ولقد حركنى الفضول وقمت عمليا بعدة زيارات فى العاصمة وضواحيها القريبة للمشاريع الجديدة التى هى بصدد الاستكمال فرأيت ما يجعلنى أفرح للشعب التونسى فرحا عميقا. ها هى مدينة الثقافة على طريق الانجاز.
إن تأسيس مدينة راقية معماريا للعلوم وأخرى للثقافة يعنى أن تونس تدرك تماما أن العلم والفكر من شروط الحداثة، وقهر التخلف.
والانطباع الثانى الذى خرجت به من زيارتى لتونس، وهو تفتح المجتمع التونسى على الثقافات الأخرى من خلال التقاليد السياحية التونسية.
ففى تقديري، إن السياحة فى تونس ليست مجرد نشاط اقتصادى براغماتي، بل هى حالة ثقافية بامتياز. فالمجتمع التونسى المتفتح على الشعوب الأوروبية الغربية يخلو من عقدة الخوف على الهوية الوطنية ببعدها الثقافى والروحي. وبالعكس فإن تونس تقيم حوارا نظيفا ومتحضرا مع الثقافات الأجنبية من خلال وفود الآلاف من السياح يوميا.
ومما لا شك فيه أن هذا السلوك التونسى هو من صميم الحوار الحضارى مع العالم. فالتجربة السياحية التونسية تمثل جسر التواصل العالمى فى الثقافة، والتعاون الإنسانى المثمر والمبنى على كل ما يحول دون الانغلاق، والتوجس، والانطواء، ونبذ الآخر.
إن التجربة التونسية من النماذج الجميلة فى العالم الإسلامي، وهى تجربة تعتمد على الإمكانيات الذاتية، والحكمة فى التسيير، وعلى العقل الرياضي، والفكر المنهجي. إنه لا بد من تقديم التحية الصادقة للإنجاز التونسي.
16-09-2008
تونس ونموذج التنمية (2): من أجل مجتمع الاحترام
ازراج عمر: تحدثت فى المقالة السابقة عن التنمية المعمارية المتطورة التى تجسدت معالمها فى الجمهورية التونسية على نحو يجمع بين التقاليد الوطنية العريقة، وبين منجزات المعمار الحديث فى الغرب.
ودون أدنى شك فإن لهذه البيئة المعمارية جماليات سوف تنعكس على تشكيل النفسيات والسلوك الإنسانى الراقي.
وأرى أن اعتماد تونس على الموروث المعمارى الوطني، وعلى الترقية الجمالية له، ومزجه بإيقاعات العمارة الأوروبية خطوة رائعة نحو بناء جزء مهم من الهوية الثقافية.
وأنا أتحدث عن إيجابيات المنجز المعمارى التونسى أريد القول بأن الأمم تقاس حضاريا بهذا المنجز إضافة إلى منجزات أخرى تتعلق بعناصر تطوير البنيات الصناعية، والزراعية، والثقافية، والتقنية، والعلمية، والتربوية، والسياسية، والأخلاقيات بما فى ذلك أخلاقيات الدولة الحديثة التى تتأسس على العدالة ومؤسساتها.
هناك نقطة مهمة أخرى فى التنمية التونسية يراها غالبا الزائر المحايد، وتتمثل فى حكمة التعامل مع الهجمة الرأسمالية على العالم الثالث. ففى كثير من البلدان العربية، والإسلامية التى تعمل بالنظام الرأسمالى المستورد من الغرب نجد الشريحة الوسطى إما محطمة تماما، أو على طريق الزوال.
أما تونس فتعتبر من بين الاستثناءات القليلة التى تحصن نفسها ضد وحشية الرأسمالية. ففى تونس نجد الشريحة الوسطى، وما بعد الوسطى موجودتين، وتمارسان حضورهما الثقافي، والاجتماعي، والفكري. وعلى صعيد الشريحة الزراعية والفلاحية، فإن لتونس تقاليد ثقافية تحصن الفلاحين، والمزارعين من الهجمة الرأسمالية الغربية.
فتونس بلد زراعى بامتياز، ويعتمد فى اقتصادياته على المنتوج الفلاحى والزراعى بخلاف الكثير من الدول المغاربية والعربية التى تحطمت فيها الفلاحة والزراعة بسبب سياسات التصنيع الثقيل الذى تحول إلى عبء مخل بالتوازن الذى يمس الاقتصاد، وتركيبة المجتمع. إن البلدان العربية التى انساقت مع وهم التصنيع الثقيل قد دخلت فى أزمة خطيرة وتتمثل فى التبعية للمراكز المصنعة على مستوى قطع الغيار واستيرادها، وعلى مستوى التأطير البشرى حيث تكون باستمرار تحت رحمة الخبراء الأجانب. ففى هذه البلدان لم يعد الفلاح فلاحا، ولم يعد العامل عاملا.
حسب التحريات التى قمت بها فى تونس خلال زياراتى السابقة والزيارة التى قمت بها إليها فى الأسبوع الماضي، فإن تونس قد حافظت بعقلانية على التوازن بين الفلاحة والزراعة من جهة، وبين خيار الصناعات الصغيرة الفاعلة والتى لا تحتاج إلى التبعية للمراكز الرأسمالية المصنعة فى الغرب. إن محافظة تونس على تقاليدها الفلاحية والزراعية مع إدخال المكننة عليها تعنى أساسا التمسك بهويتها الثقافية وعدم الاخلال بها جريا وراء وهم التصنيع الثقيل الذى لا يلائم طبيعة المجتمع، وحاجاته الاقتصادية الأساسية.
وفى تقديري، فإن نموذج تونس فى هذا المجال، وفى مجال احترام وجود الشريحة الوسطى إيجابى وجدير بالدراسة، والتأمل، والاستفادة منه خاصة من قبل عدد من الدول العربية التى ابتلعتها منذ نهايات الثمانينات من القرن العشرين إلى يومنا هذا موضة اقتصاد السوق، وتغييب دور الدولة التوجيهي، والقانوني، والأخلاقى فى إدارة مسار التنمية.
وأكرر هنا بأن ثمار المحافظة على الشريحة الوسطى، وتحديث الشريحة الفلاحية فى المجتمع التونسى وعدم الخلط بينهما، أو جعلهما يحلان مكان بعضهما البعض سوف تنضج مع الوقت، وستساهم فى النمو والاستقرار، وتجنب الأزمات التى تغرق فيها التجارب الفوضوية فى كثير من الدول العربية التى دمرت القطاعين معا مما أنتج وينتج ثقافة مستوردة ولاغية للهويات الوطنية فى هذه الدول ومجتمعاتها.
17-09-2008
تونس ونموذج التنمية 3: عناصر التحديث
ازراج عمر: إذا كانت عملية التحديث هى الضمانة لكسب رهان الحداثة، فإن تونس تسير بخطى واثقة فى هذا الاتجاه من خلال مجموعة من العناصر المهمة أذكرها كالتالي:
1- التعليم، 2- العمران، 3- المرأة، 4- ترشيد الاقتصاد، 5- بناء مجتمع المعرفة والمعلوماتية.
فى الحقيقة، فإن المنظومة التربوية التعليمية فى تونس ترتكز على دعامتين، وهما دعامة تقاليد الزيتونة التى تعنى فى المضمون والشكل الربط بين الطلاب والطالبات وبين الثقافة العربية- الإسلامية العريقة.
ومما لا شك فيه أن تقليد معهد الزيتونة قد لعب دورا مهما وأساسيا فى الإحياء الثقافى فى أبعاده التراثية، وترسيخ تعليم أصيل فى تونس. وأكثر من ذلك فإن معهد الزيتونة قد شع نوره على المنطقة المغاربية ككل حيث نجد على سبيل المثال أجيالا من المثقفين المغاربيين المتنورين قد تخرجوا من رحابه. وليس هناك من شك فى أن معهد الزيتونة قد مثل ولا يزال يمثل بيئة تعليمية مستنيرة، ويعد أيضا حصنا من حصون المقاومة الثقافيّة والفكرية أثناء الكفاحات المغاربية من أجل الاستقلال وقهر مشاريع الاستعمار لمسخ الهويات الوطنية المغاربية.
إلى جانب الزيتونة، فإن التعليم الحديث فى تونس قد أنجز الكثير حيث يعتبر من بين أفضل المنظومات فى العالم العربي- الإسلامي. وبالتأكيد، فإن مستوى التعليم فى تونس فى تطور مستمر، ويتميز بأنه منفتح على مضامين المعاصرة.
وبخصوص عنصر جماليات المعمار التونسي، فإننى لا أغالى إذا قلت بأنه من بين أهم ما أنجز على المستوى المغاربى بشكل خاص، وعلى المستوى العربى بشكل عام. فهو معمار من إنتاج ذاتى ومرتكز على الهوية الثقافية التونسية مع توظيف جمالى للعناصر المعمارية الأوروبية الحديثة. ويمثل هذا الإنجاز معلما تنمويا إيجابيا بامتياز. إنه بهذا الصدد يمكننا أن نتحدث عن خصوصية معمارية تونسية قائمة، ومفتوحة على التطوير والتأصيل.
وهنا أرى أنه من الضرورى أن نولى اهتماما بالغا بالتجربة التونسية فى مجال مركزى ألا وهو حقوق المرأة، وحريتها، ووجودها ككيان معتبر فى جميع مؤسسات الدولة.
إن التشريعات التونسية وكذلك تطبيقاتها الميدانية تدخل ضمن إطار رفع الغبن التاريخى عن المرأة، والحفاظ على كرامتها فى المجتمع، وجعلها سيدة لها هويتها، ومكانتها الطبيعية بعيدا عن التقاليد البالية التى تدرجها فى الهامش. أعتقد أن المحاولة التونسية فى مجال نشر قوانين، وثقافة تحرير المرأة يمكن أن تصنف ضمن الفاعليات التقدمية.
مما لا شك فيه أن تراث الذكورة المتطرفة والمغلقة والديكتاتورية تمثل قيدا غليظا يحول دون التحرر الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والنفسى فى العالم الإسلامي.
ومن هنا يمكن تثمين وتقدير التجربة التونسية التى وضعت الأسس للخروج من هذا التراث الذى يهمش ويقيد نصف المجتمع. ولا بد من التنويه هنا بارتكاز هذه التجربة على أفكار المصلح التونسى المتنور الطاهر الحداد الذى يعد إلى جانب الأسماء اللامعة فى فكر النهضة عبر العالم الإسلامى قطبا معرفيا، ونضاليا.
إن العناصر المذكورة ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية الاقتصادية، وبالتفتح على المعرفة الحديثة فى ميدان المعلوماتية. نحن لا نقول بأن تونس قد حققت كل شيء فى هذه الميادين، بل إننا نقول بأن ما تحقق، وما هو فى طريق التحقق يضعان تونس فى الطريق الصحيح، ويؤكدان أن تجربتها إيجابية ومفتوحة على التطور، وهى تقف إلى جانب القليل جدا من التجارب الطليعية فى الفضاء الإسلامي، وبالإمكانيات الوطنية الذاتية.